السيد محمد حسين الطهراني
59
معرفة الإمام
هما قيمتان مختلفتان بسوقين . وربّما كان الخسيس في سوق المكتسب نفيساً في سوق العلم . فلا تستصغر العبرة في الشيء لصغر قيمته . فلو فطن طالبو الكيمياء لما في العذرة لاشتروها بأنفس الأثمان وغالوا بها . - 4 - حكمة الآفات والأضرار التكوينيّة ثمّ إن المفضّل بكّر إليه في اليوم الرابع ، فقال له الصادق عليه السلام : يا مفضّل ! قد شرحتُ لك من الأدلّة على الخلق والشواهد على صواب التدبير والعمد في الإنسان ، والحيوان ، والنبات ، والشجر ، وغير ذلك ما فيه عبرة لمن اعتبر ! وأنا أشرح لك الآن الآفات الحادثة في بعض الأزمان التي اتّخذها أناس من الجهّال ذريعة إلى جحود الخالق والخلق والعمد والتدبير ، وما أنكرت المعطّلة والمانويّة « 1 » من المكاره والمصائب ، وما أنكروه من
--> ( 1 ) - المعطّلة كما عرّفهم الإمام عليه السلام في كلامه هنا هم بعض الملاحدة الذين راموا أن يدركوا بالحسّ ما لا يدرك بالعقل . فلمّا أعوزهم ذلك ، خرجوا إلى الجحود والتكذيب ، فقالوا : ولِمَ لا يدرك بالعقل ؟ قيل : لأنّه فوق مرتبة العقل ، كما لا يدرك البصر ما هو فوق مرتبته . فإنّك لو رأيت حجراً يرتفع في الهواء علمت أنّ رامياً رمى به . فليس هذا العلم من قبل البصر ، بل من قبل العقل ، لأنّ العقل هو الذي يميّزه ، فيعلم أنّ الحجر لا يذهب علوّاً من تلقاء نفسه . أفلا ترى كيف وقف البصر على حدّه ، فلم يتجاوزه . فكذلك يقف العقل على حدّه من معرفة الخالق فلا يعدوه ، ولكن يعقله بعقل أقرّ أنّ فيه نفساً ولم يعاينها ، ولم يدركها بحاسّة من الحواسّ . وعلى حسب هذا أيضاً أنّ العقل يعرف الخالق من جهة توجب عليه الإقرار ، ولا يعرفه بما يوجب له الإحاطة بصفته - انتهى كلام الإمام ( « توحيد المفضّل » ص 117 و 118 ، طبعة بيروت ، مؤسّسة الوفاء ، الطبعة الثانية ) . وقال الشيخ كاظم المظفّر في تعليقه على هذه الطبعة ، ص 10 و 11 : المانويّة هم أصحاب الحكيم الفارسيّ ماني بن فاتك الذي ظهر في أيّام سابور ثاني ملوك الدولة الساسانيّة . ومذهبه مزيج من المجوسيّة والنصرانيّة . وقد تبعه في معتقده خلق كثير ، وبقي قسم كبير منهم في الدور العبّاسيّ الأوّل ثمّ تسرّبت آراؤه إلى اوروبّا وبقيّة الأقطار الآسيويّة . وماني هذا كان راهباً بحرّان . ولد حوالي سنة 215 م وقتله بعدئذٍ بهرام بن هرمز ( انظر في ذلك : « الملل والنحل » للشهرستانيّ ، ج 2 ، ص 81 ؛ و « مروج الذهب » ج 1 ، ص 155 ؛ و « الفهرست » ص 456 ؛ و « معرّب الشاهنامه » ج 2 ، ص 71 ؛ و « الفرق بين الفرق » ص 162 و 207 ؛ و « الآثار الباقية » للبيرونيّ ، ص 207 ؛ و « تاريخ الفكر العربيّ » لإسماعيل مظهر ، ص 39 ؛ و « حرّيّة الفكر » لسلامة موسى ، ص 55 ) .